أعمدة صحفية

نبضات – صديق رمضان

الحوت في جوبا

عندما كنت لاعبا بفريق السهم الجريف الخرطومي في العقد الأول من هذه الألفية كان الابنوسي توماس باتيستا مصدر سعادتنا بأهدافه البديعة التي كانت سببا مباشرا في صعودنا من الدرجة الثانية ببحري الي الدرجة الاولي، ووقتها كان الوطن الكبير ينعم بأجواء السلام عقب توقيع اتفاقية نيفاشا.

كان باتيستا خلوقا ومهذبا يصوب نظره نحو أهدافه ويسعي لتحقيقها ولايعرف اليأس وربما أدرك في تلك السن الباكرة أن الحياة تحتاج للمثابرة، فمن قاعات الدرس بجامعة الخرطوم يتوجه الي الملعب بالجريف شرق لأداء التدريبات،ولأنه كان مهاجما بارعا فقد انتقل الي هلال الساحل وبعد انفصال الجنوب لعب لمنتخب الدولة الوليدة.

استدعيت ذكري تلك الأيام الوسيمة لأن توماس باتيستا كان عاشقا للفنان الراحل محمود عبدالعزيز، يستمع إليه عقب اداء المبارايات والتدريبات وفي المعسكرات من جهاز التسجيل الصغير الذي لايفارقه، واليوم الجمعة اتوقع ان يكون صديقي توماس علي رأس حضور احتفال أحياء الذكري السنوية للحوت بعاصمة دولة الجنوب جوبا التي تغني لها الجان وكانت تجمعه علاقة خاصة بأهلها وارضها وجمالها.

جوبا عند الراحل المقيم محمود كانت أجمل مدينة، يدفعه شوقه إليها ويتمني أن تسرع الطائرة التي تقله،حتي يلتقي عند وصوله بمونيكا وماما رجينا، وليعانق أهله واحبابه في كتوري، الملكية، اطلع بره،كان يريد أن يحط رحاله سريعا في المدينة الساحرة حتي يتمكن من التجول بسوق كونجو كونجو ويذهب الي صالة نجاكوري، ليؤكد أن شمالي وجنوبي سوا سوا.

واليوم تتأكد حقيقة “سوا سوا” وان الانفصال كان جغرافيا فقط وليس وجدانيا، وذلك حينما يتوجه عشاقه الي ميدان السلة بجوبا لإحياء ذكري احد ابرز المبدعين الذين انجبهم السودان الكبير في القرن الأخير، لتستقبلهم جمعية الحواتة الخيرية بجنوب السودان.

احتفالية اتوقع ان تأتي بطعم جمال ناس الوطن الكبير، ونكهة نقاء دواخلهم، ففرقة الحوت ووالدته وعدد من الفنانيين سيكونوا حضورا أنيقا في المدينة التي تعمل علي رد التحية بأفضل منها للخرطوم باحتضانها ورعايتها لمفاوضات السلام، سترتفع الاكف بالدعاء بأن يتغمد الله برحمته الحوت وستردد الحناجر أبرز اغانية لتجدد ذكري أسطورة الغناء السوداني.

سترتفع اللافتات التي تؤكد عشق الحواته لمطربهم وهي تحمل أبرز أسماء اغانيه التي يتسق مضمونها مع الاحتفالية، “سكت الرباب”، “رحل الغمام”، “ساب البلد”، و”مابطيق لغيرو اسمع”،”يازول ياطيب” وغيرها من إبداعاته التي ماتزال ترددها الألسن وتختزنها الذاكرة.

وتأتى احتفالية الجمعة بجوبا والسودان الشمالي قد تحرر من عهد التيه والضياع والظلم والفساد ويستنشق عبير ثورة ديسمبر المجيدة ويتطلع الي المستقبل برؤي ثاقبة، فيما يتلمس السودان الجنوبي خطاه وهو ينهض من ركام وحطام الحرب ويصوب نظره الي الامام لتحقيق تطلعات واحلام شعبه العظيم.

ولانها مناسبة عظيمة وذات دلالات ومضامين عميقة لابد أن نزجي الشكر لجمعية الحواتة الخيرية بجوبا وهي ترسخ من حقيقة أن الوطن الكبير مايزال يتسع لأهله شمالا وجنوبا وجدانيا وانسانيا، وشكر بحجم قرص الشمس لعملاق الطيران في السودان شركة تاركو لرعايتها الذكري السنوية لرحيل الأسطورة محمود عبدالعزيز وهي تنقل فرقته واسرته وعدد من الفنانين الي جوبا، وتاركو تثبت كل يوم بالدليل القاطع والبرهان الساطع انها ليست شركة طيران وحسب بل مؤسسة اقتصادية، إنسانية، شبابية ووطنية،وثقافية واختيار الحواته لها لم يأت من فراغ فهي تبادلهم ذات العشق للفنان الراحل المقيم، والشكر لمحطتها بجوبا” عمر ادريس، منذر، ميكائيل، أبرم، و عبداللطيف” وبالتأكيد تحية خاصة لمديرها العام الشاب سعد بابكر علي انحيازه للشباب وقبيلة الفن والثقافة وهو يوجه برعاية أنشطتهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *