أعمدة صحفية

بعد..و..مسافة مصطفى ابوالعزائم

هوشيري” الموت أكثر من مرة..!

مأساة بمعنى الكلمة ، وحزنٌ عميقٌ في نفوس أسرتين ، وخوفٌ في نفوسِ كثير من العاملين في موانئ السودان ، بعد أن غرق اللنش”هوشيري” بميناء بشائر للبترول في البحر الأحمر ، عند الثانية عشر وخمس دقائق ، خلال تأدية المجموعة العاملة عليه لواجبها ، ظهر ذلك اليوم الحزين ، الموافق الثامن عشر من شهر نوفمبر من العام الماضي 2019 م .
على متن اللنش البحري كان هناك أربعةٌ من العاملين ، أحدهم هو الكابتن والثاني هو المهندس ومعهما إثنان من البحارة ، وقام هؤلاء الذين على متن اللنش خلال عملهم الروتيني المعتاد ، بتوصيل مندوب الجمارك ، ووكيل إحدى البواخر إلى الباخرة التي كانت(تربط) بالميناء ،كما هو الحال عند شحن أو تفريغ شحنة بترولية ، ولكن .. وعند عودة اللنش البحري بركابه الأربعة إلى الرصيف ، وعلى بعد ثلاثين متراً بالتقريب ، حدثت المأساة التي لها أكثر من صورة ، غرق اللنش ، وقبل الغرق تم إطلاق نداء إستغاثة من اللنش ، ثم تعطلت ماكينات اللنش بعد أن دخلتها المياه، فكان أن أخذ الكابتن يتصل بمسؤولي الإنقاذ والنجدة في الموانئ عن طريق هاتفه المحمول دون جدوى ، ولم تتحرك الباخرة الرابضة على الرصيف لإنقاذ من كانوا على متن اللنش ، ولم يتحرك اللنش الكبير التابع لهيئة الموانئ البحرية ،للتدخل رغم أنه كان على مسافة قريبة من الحدث ، إذ كان مرابطا مع الباخرة ، وإكتفى من كانوا على متنه بتصوير غرق اللنش عن طريق الهواتف المحمولة دون إعتبار لما يحدث ، وقد تمكنتُ من الحصول على هذه اللقطات الحزينة ، والمؤسفة ، مع تعليقات البعض وهم يشاهدون اللنش البحري يغرق ، يغرق ، تحت ناظريهم .
تحرك لنش آخر كان بعيداً عن موقع الحادث ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ولكن الوقت لم يكن كافياً ، فقد غرق اللنش وأخذ يغيب داخل المياه ، وبعد أن غرق تماماً ،خرج الكابتن وأحد البحارة ، بينما غاب المهندس عبدالعظيم أحمد محمد الحسن ، والبحّار الطاهر توماس ، ولم يحرك غيابهما ساكناً لدى الجهات المسؤولة ، بل ظل العمل يسير بصورته المعتادة ، ولم تتحرك الإدارة أو أي جهة مختصة في البحث عن المهندس عبدالعظيم والبحار الطاهر حتى صبيحة اليوم التالي .
في صبيحة اليوم التالي ، وبعد إكتمال عملية شحن الباخرة التي كانت(تربط) في الميناء ، تحرك اللنش الذي يتبع لها والذي غرق اللنش الأول بمن فيه أمام من كانوا بداخله ، على بعد ثلاثين متراً لا أكثر ، وتحرك اللنش تحركات تمثيلية نحو منطقة الغرق للبحث حولها دون جدوى ، وكان فريق الغطس محدود الإمكانيات ، إذ لم يتمكن هذا الفريق من الغطس إلى الأعماق المطلوبة ، والتي هي ما بين ستين وخمسة وستين متراً .
في اليوم الثالث تكرر ذات الفعل بلا جدوى بل لإرضاء أسر الشهيدين لا أكثر ولا أقل ، ولم يتحرك أي مسؤول لمتابعة ما يجري ، وقد وصل إلى موقع الحدث بعد ذلك وزير وزارة البنى التحتية السيد هاشم طاهر شيخ طه ، وقام ذوو وأهالي الضحايا بشرح الموقف له ، مؤكدين له أن عملية البحث تكاد تكون معدومة تماماً ، ووقف على الأمر وسأل إن كان إيٍ من مسؤولي هيئة الموانئ قد جاء أو تابع حادثة الغرق تلك ، فقال له أهل الضحايا أنهم لم يروا أيٍ من المسؤولين في موقع الحدث ، أو حتى في الرصيف ، مشيرين إلى أن هناك عدم إهتمام وعدم متابعة من قبل القائمين بالأمر في هيئة الموانئ البحرية ، وكان من نتائج زيارة الوزير ووقوفه على الموقع ومتابعته اللصيقة ، كان من نتائجها حضور نائب مدير الهيئة ومدير العمليات البحرية لمقابلة أهالي الضحايا ، وإمتثل مسؤولا الهيئة لتوجيهات الوزير بالإستعانة بجهات خارجية لضعف إمكانيات الهيئة ، وتشكيل لجنة تحقيق في الحادث .
بعد أسبوع من الحادث جيئ بفريق من المملكة العربية السعودية يتبع لحرس الحدود ، وكان مكوناً من غطاسين فقط دون أدوات بحث ، وعند وصول أعضاء الفريق السعودي ذكروا أن طلب العون كان خطأً إذ لم يتم تحديد مكان الغرق ، وكان من المفترض أن تتضمن المذكرة طلب ( بحث وإنتشال) ، وقد بقي الفريق السعودي لمدة أسبوعين ولم يتم للأسف الشديد تحديد موقع الغرق تحديداً .
تم تكوين لجنة تحقيق من الوزارة ، برئاسة الوكيل ، وبقيت اللجنة ثلاثة أيام في بورتسودان، وعندما فرغت من عملها دون نتائج عادت إلى الخرطوم بعد أن تم تحفيز عضويتها تحفيزاً مالياً ضخماً من قبل هيئة الموانئ البحرية، وعندما عادت اللجنة إلى الخرطوم تم تحويل الملف إلى السيد النائب العام ، الذي وجه بإجراء تحقيق جنائي ، ومن ثمّ تم تحويل الملف إلى نيابة البحر الأحمر .. ولكن يبدو أنه قد غرق بلا بواكٍ عليه ، بينما علمنا أن وزارة المالية وافقت على التعاقد مع إحدى الشركات الإماراتية لإنتشال اللنش ، عن طريق وكيلها الملاحي في السودان ، ولكن حتى الآن الآن لم يجْرِ ما يفيد بأن هناك رغبة حقيقية في إنتشال اللنش ، وقد فقد أهالي الضحايا الأمل في العثور على جثماني الشهيدين المهندس عبدالعظيم أحمد محمد الحسن ، والبحّار الطاهر توماس ، وذلم لأن الملف نفسه قد غرق في بحر النسيان من قبل هيئة الموانئ البحرية .. ولا عزاء للأرامل والأيتام وأسر الضحايا .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *