التقارير

محاكمة مدبري الإنقلاب .. ما وراء البطء؟

 

الخرطوم: تاسيتي الاخبارية


بعد مرور شهرين على بداية محاكمة الرئيس السابق عمر البشير، و28 من العسكريين والمدنيين الذين ينتمون إلى تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، بتهمة تقويض النظام الدستوري الذي كان قائماً خلال فترة حكومة ديمقراطية انتُخِبت برئاسة الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي في السودان عام 1986، عبر تدبير انقلاب عسكري في عام 1989، مكث على أثره الرئيس السابق في سدة الحكم 30 سنة، وانعقاد خمس جلسات كان آخرها يوم الثلاثاء 22 سبتمبر الحالي، إلا أن المحكمة التي يرأسها القاضي عصام الدين عبد الله، لا تزال في طور مناقشة الطلبات العديدة المقدَمة من هيئة الدفاع عن المتهمين، وأبرزها تعليق إجراءات المحكمة لعدم تشكيل المحكمة الدستورية، وغياب إجراءات الوقاية من جائحة كورونا في قاعة المحكمة، وعدم تهيئة المناخ السياسي الملائم في البلاد.

بلاغ سياسي

أوضح عضو هيئة الدفاع عن البشير، المحامي كمال عمر في استعراضه سير أعمال المحكمة، إذا نظرنا إلى المحكمة ممثلةً في رئيسها، فهو قاض مشهود له بالنزاهة والأخلاق، إذ لم يخضع لتعليمات النظام السابق في قمة استبداده، لكن الإشكالية في المناخ المحيط بالمحكمة من ناحية التأثيرات التي يمكن أن تحدث من قبل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، أي قوى الحرية والتغيير، بسعيها منذ الوهلة الأولى من سقوط حكومة البشير في أبريل 2019، إلى تقديم هذا البلاغ وجعلت منه بلاغاً سياسياً.

ولفت المحامي السوداني إلى أن الجرائم بحسب القانون الجنائي السوداني تسقط بالتقادم خلال مدة 10 سنوات، لكن الجهات المختصة في الحكومة السودانية عدلت القوانين بطريقة خطيرة حتى تتضمن هذه القضية، وذلك في ظل غياب السند القانوني في الوثيقة الدستورية. وأضاف في حديثه إلى “اندبندنت عربية”، “للأسف نحن نقاتل في جبهةٍ ساحتها المحكمة، لكن طريقة حياكة وتفصيل التهم تمت بطريقة سياسية، وليس للقاضي خيار غير تطبيق نص القانون، كما ليس لدى هيئة الدفاع إمكانية الطعن نظراً إلى تعطيل المحكمة الدستورية في البلاد، لذلك في تقديري أن ما يحدث الآن أسوأ من تجربة نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي كان بالفعل يحرض القضاء ويلزمهم اتباع تعليماته، لكنه على الأقل كان لديه بناء قانوني، وأكد أن لهيئة الدفاع خيارات مختلفة للتعامل مع هذه القضية سيتم الإعلان لاحقاً.

تقويض النظام

وبيّن عمر أن تقويض النظام الديمقراطي موجود في القانون السوداني، لكن المشكلة أن السودان منذ استقلاله في عام 1956 ظل يُحكَم بدساتير مؤقتة، لذلك لا تستطيع أن تقول إنه تم تقويض النظام الديمقراطي الذي كان بالفعل في عام 1989 منهاراً تماماً، لدرجة أن التمرد العسكري في جنوب البلاد الذي كان يقوده جون قرنق تمدد بصورة كبيرة، فضلاً عن أن القوات المسلحة السودانية كانت في أضعف حالاتها، مشيراً إلى أنه كي تصل إلى عبارة تقويض نظام الحكم الديمقراطي لا بد من أن يشارك الشعب بكل فئاته وشرائحه في وضع دستور دائم للسودان، لكن من المؤسف أن مثل هذه التجربة غير موجودة في تاريخنا السياسي، فالدولة السودانية كلها مشاكل، وهو ما دعى حزب الأمة السوداني في عام 1958 إلى تسليم السلطة المدنية القائمة آنذاك إلى حكومة عسكرية برئاسة الفريق إبراهيم عبود، كما نفذ الحزب الشيوعي السوداني مع العروبيين في عام 1969 انقلاباً عسكرياً بقيادة جعفر نميري، وحاولوا تصحيحه بانقلاب آخر في عام 1971 لكنه فشل. كذلك نفذ الإسلاميون في السودان انقلاباً عسكرياً بقيادة عمر البشير في عام 1989، ظناً منهم أن ذلك إنقاذ للبلاد من المشكلات التي كانت تعاني منها في كل المجالات، لكن المجموعة العسكرية التي خطفت الحكم شوهت هذه التجربة.

طلبات غير قانونية

في المقابل، صرح عضو اللجنة السياسية في تحالف المحامين الديمقراطيين السودانيين محمود الشيخ، في اعتقادي أن من أهم الأشياء التي صاحبت جلسات هذه المحكمة كثرة الطلبات من قبل هيئة الدفاع، ما يؤكد عدالة المحكمة، نظراً إلى خطورة العقوبات التي تنتظر المتهمين في هذه القضية، وإن كانت معظم هذه الطلبات غير قانونية ولم تجد حظها من القبول، لكن لا يمنع أن تعطي المحكمة الفرصة الكاملة لهيئة الدفاع للاستمتاع بحقها الطبيعي”، منوهاً بأن الدفاع يريد أن يثبت موقفاً محدداً، ولديه رؤية بأن القضية سقطت بالتقادم، وهذا غير صحيح لأن مثل هذه القضايا تشكل خطراً على استقرار البلاد، وتؤخرها، وهذا ما حدث فعلاً، وظل الشعب السوداني يدفع أخطاء هذا الانقلاب 30 سنة.

وحول الاتهام الموجه من قبل هيئة الدفاع، بأن هذه القضية سُيّست من قبل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، التي سعت إلى تعديل القانون الجنائي حتى يُفتح بلاغ لهذه القضية، أجاب محمود الشيخ أن الشخص الملم بالقانون ويعرفه جيداً، يدرك تماماً أن ليس هناك حاجة اسمها تسييس، لكن بلا شك أن هذه القضية ذات طابع سياسي، لأن الانقلاب العسكري الذي نفذته هذه الجماعة أثر في الحياة السياسية من نواح عدة، وهذه جريمة يُعاقَب عليها بموجب القانون الجنائي السوداني، وإذا كانت القضية سياسية لكان عُيّن قاض معروف بانتماءاته السياسية كما كان يحدث في عهد النظام السابق، ويكون القرار قد صدر فعلاً، ولا تستغرق المحكمة أكثر من ساعتين أو ثلاث.

تشكيل المحكمة

في المقابل، أشار أستاذ القانون العام في جامعتَي الجزيرة والنيلين في السودان بروفيسور يسن عمر يوسف لـ اندبندنت عربية، إلى أنه دائماً ما يحاول الدفاع في مثل هذه القضايا الدفع بطلبات عدة، والاعتراض على بعض الإجراءات باعتبارها غير قانونية، وهو تكتيك يُستخدَم في بداية أعمال جلسات المحكمة، لكنه غالباً لا ينجح والمحكمة لا تأخذ به، وفي رأيي ليس للمحكمة حق في رفض الطعن بالمسألة الدستورية، بسبب عدم تشكيل المحكمة الدستورية، وهي مسألة مهمة جداً، موضحاً خلو السمة السياسية في هذه القضية، لأنه من ناحية قانونية لا يمكن أن تأتي أي فئة من الشعب وتقوض النظام الدستوري القائم في البلاد، لكن بشكل عام هناك محاكم سياسية تبت في بعض القضايا ذات الصفة السياسية.

وتابع مع احترامي للقضاء السوداني وحياده، لكنه يخضع في مثل هذه القضايا إلى تأثير وضغوط الرأي العام، مشيراً إلى أن القانون الجنائي السوداني يتضمن مواد عدة تتعلق بتقويض النظام الدستوري، منها المادة 96 من القانون الجنائي، والمادة 6 من قانون أمن الدولة لعام 1983، والمادة 50 من قانون 1991، وجميعها عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد ومصادرة الممتلكات. وشهد القضاء السوداني محاكمات من هذا النوع في عام 1976 عندما نفذ حسن حسين انقلاباً ضد الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، لكنه فشل وحُكم عليه بالإعدام، ونُفذ الحكم في حينه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *