أعمدة صحفية

قف تأمل | يحي معتصم

 

واقع التعليم الفني

التعليم الفني والتدريب المهني ينبعان من منبع واحد، هو المهنة أو الحرفة التي تقود للكسب وسعة الرزق، ودوام الأمان على الأسرة والمجتمع أو الوطن الكبير، وبالتالي تحافظ المجتمعات والحضارات على بقائها واستمرارية العيش، وبهما تقاوم الأعداء، ويرد كيد المعتدين، وتحفظ القيم الفاضلة والمعتقدات الراسخة الأزلية، بأسباب المنعة والقوة، خاصة في عالم اليوم الذي يتكالب على مصادر الثروة والطاقة والمياه في أسلوب أشبه بأسلوب الغاب.

ولقد أُخذت الصناعة في السودان، وتقدمت كثيراً خاصة في مجال البنيات التحتية القديمة، والتعليم الفني بشقيه المهني أو الصناعي والحرفي انتشر في السودان منذ أمد بعيد، وكان لوزارة التربية والتعليم قصب السبق على الجهات الأخرى في نشر هذا النوع من التعليم، قبل افتتاح مراكز التدريب المهني الحالية، وقد أنشئت الدولة المدارس والمعاهد الحرفية في أم درمان، والخرطوم، وود مدني، وعطبرة، وكسلا، والدلنج، وغيرها من المدن، وقد افتتح معهد القرش الصناعي بأم درمان في العام 1902م في ظاهرة سباقة للأمم، وقصة طريفة سمي بمعهد القرش لأن التبرعات جمعت له قرشاً قرشاً آنذاك، كما بنيت بعده بقليل مدرسة أم درمان الصناعية، وتبعها بعد ذلك في الظهور افتتاح مركز التدريب المهني بالخرطوم، ثم ظهر بعدها المدرسة البلجيكية السودانية والتدريب الماليزي، مما جعل كثيراً من التلاميذ يرغبون في المجال الفني، وبرزوا في سوق العمل المحلي والأجنبي بالدول العربية في السعودية، ودول الخليج وهناك تجارب أخرى وصلت الصين واليابان وتركيا ومصر ممن أتقنوا الصنعة.

لقد شاب مفهوم التعليم الفني والتدريب المهني كثير من الغموض، خاصة بعد تدخل عدد من الوزارات في الإشراف عليه، كوزارات التربية والتعليم الاتحادية ووزارات التربية الولائية والعمل وتنمية الموارد البشرية والتعليم العالي، مما أحدث كثيراً من التضارب حول الوظيفة والمفهوم، فما المنحى لكل في المسارين التعليم الفني والتدريب المهني؟.

يقصد بالتعليم الفني أو الصناعي ذلك التعليم الذي يقود للمهنة والعلم معاً في مسار مفتوح، حتى دخول الجامعة وما بعدها، بينما يقصد بالتدريب المهني امتهان مهنة شريفة من أجل الكسب، ويسير طالب التعليم الفني مسارات المعرفة، حتى ولو لم يلج مجال الصناعة فعلياً، بينما يسير طالب التدريب المهني في مسارات الخبرة حتى الاحتراف، وفي ذلك كان التضارب حول المفهوم وتداخل جهات الاختصاص التي ربما لا تدرك هذا التفصيل.

وفي ظل هذين المفهومين لا يخلو أي منهما من عملية التعلم، فالتعليم الفني والتدريب المهني يختلفان في الطريقة، طريقة التعليم وطريقة التدريب، وإن كان كلاهما يخضع لعملية التعلم، لكننا كثيراً ما نجد هذا التشابه والتداخل بين هذه الطرائق وبين الخبراء العاملين في المجال، غير أن الأمر ربما لا يكون فيه شطط أو غرابة، وإن اتفقا على العمل ما دام التعليم يقود للتدريب لاحقاً، والعكس ليس صحيحاً في كل الأحوال.

وللأسف الشديد نجد أن مجال التعليم الفني يشوبه الكثير من الغموض في المجتمع السوداني، وتجابهه العديد من التحديات والعقبات مقارنة بالشق الآخر التدريب المهني، في ظل مدخلات ضعيفة توفرها وزارات التربية بالولايات، خاصة بولاية الخرطوم ذات الثقل السكاني الضخم، بجانب كادر غير مؤهل ومدرب وغير قادر على المواكبة والتطور، والعمل بسبب عدم توفر المواد وبرامج التأهيل والتدريب الطموحة للمعلمين الفنيين، مما جعل من التعليم الفني فقط مجرد شكل أو واجهة مخفية لوزارة التربية، يقف كادرها عند رئاسة القسم الفني لوحده دون أن يترقى أي منهم إلى الدرجات القيادية بالوزارة في ظل محسوبية بائنة على كادر التعليم الفني بنظرة جعلته في الوقت الذي برز منهم أصحاب مؤهلات عليا، تنعدم في القسم الأكاديمي بالثانوي والأساس، لكن نسبة لهذا الفهم القاصر نجد كثيراً من أصحاب النفوس المغرضة.

وعلى الشق الآخر التدريب المهني نجده بالمراكز التي تشرف عليها وزارة تنمية الموارد البشرية، نجد أن هذه المراكز أحسن حالاً بكثير من التعليم الفني التابع لوزارة التربية والتعليم، حيث السعة في الرزق وتيسير الحال لدى العاملين به، في ظل الصرف عليه بنزاهة على المواد والإنتاج والحوافز والمكافآت الشهرية، في الوقت الذي يعمل فيه منسوبو التعليم الفني وهم يعانون الحاجة.

جانب آخر أكثر أهمية هو تضارب الجهات المشرفة على هذا النوع من التعليم في الدولة، وتداخل جهات الاختصاص التي تشرف عليه، متمثلة في أجسام عديدة متضاربة، منها وكالة التعليم الفني بالتربية الاتحادية، العمل وتنمية الموارد البشرية، المجلس القومي للتلمذة الصناعية، المجلس الأعلى للتعليم التقني والتقاني، التابع لوزارة التعليم العالي، إدارات أقسام التعليم الفني بوزارات التربية والتعليم الولائية، وتتبع كل هذه الأجسام لوزارات مختلفة، مما يستدعى من مجلس الوزراء  إجلاء الأمر، حتى لا تتبدد مجهودات إصلاح الدولة التي شددت على أن النهضة في السودان تكون بالعلم وبالتعليم الفني والتدريب المهني، خاصة وأن هناك دولاً وتجارب سبقتنا في هذا المجال، بعد أن كانت لنا الريادة، لذلك ندعو من هنا  مجلس الوزراء من توضيح هذا الشأن، حتى يتسنى لنا الاستفادة من موارد وخامات البيئة المحلية السودانية الزاخرة بالنعم والخيرات، والتي تكفي حاجتنا وحاجة الآخرين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *