أعمدة صحفية

من الواقع – محمد مصطفى الزاكي

من الواقع
محمد مصطفى الزاكي
المقهور

أسقط مادو المنجل والساطور من يده وتنازل من عناده مستسلما للتعب، فسار نحو ظل العرديبة ألقى بجسده المنهك على الأرض، فقد ظل واقفا منذ الصباح يجاهد الحشائش الكثيفة التي احتلت المكان لسنوات…يضرب فيسقطها متناثرة تحت قدميه لترقد أسيرا لشمس النهار الحارقة تجردها الرطوبة والحياة وتتركها فريسة سهلة للنيران الجائعة التي سيشعلها مادو في اليوم التالي، فهو يهيء الأرض لزراعة محاصيل الشتاء… البطاطا والبصل والطماطم بعد أن ضمن إنتاح الخريف.
يقال أن بعض الناس يجدون في ممارسة العمل الشاق متنفسا لتفريغ مشاعرهم المكبوتة وهو حال مادو الذي يصارع نيران ثائرة في جوفه أججتها المواقف العصيبة التي مرت فوق رأسه خلال سنوات الحرب القاسية…فقد خسر في سن العاشرة والده وشقيقه الأكبر في حادث نهب مشؤوم، ثم عادت الآلام لتفجعه بعد بلوغه سن الخامسة عشر، حينما هاجمت مليشيات مأجورة قريتهم وقتلت فيها خمسون شابا وشيخ وأسرت الشباب ثم أشعلت النيران على المنازل والقلوب، فنزح مادو وأمه والأهالي نحو المدينة.
كانت المليشيات تلاحقهم في الطريق لتكمل ما بدأتها في القرية، شاهد مادو في الطريق مناظر ظلت عالقة وتأبى الرحيل كأنها تتعمد تذكيره بالثأر لتلك النسوة اللائي كن يستغثن بحسرة من تحت أقدام المغتصبين بلا جدوى.
كانت أم مادو تحرص على إخراج آخر أولادها سالما بعد أن فقدت الإثنين في الغارة الأخيرة وقد سبقهم الأول مع زوجها…ففكرت في حيلة تداري به مادو من عيون ذئاب البشر المسعورة التي تلاحق الصبية تقتيلا واعتقال فخبأته داخل ملابس نسائية(ثوب وفستان وخمار).

أعادته لواقع العرديبة موجات الضحك الصادرة من الفتاتين دارو وصاحبتها تلتل، فانتفض مبتعدا يمسح عينيه من الدمع المنهمر بغزارة وقد فضح حلم اليقظة شخصية ظلت محبوسة في دواخله لسنوات بعد أن فقد أسرته وقرر ألا يبكي عليهم أبدا كما يفعل الناس، فقد أراد أن ينتقم بطريقته الخاصة.. أن يترجم قهره عملا وكد.
دارو كانت تتصيد الفرص فوجدته منهارا في مأساته قيل أن ميزة النساء في التفاصيل فقد تعرفت على جوهر فارسها بعد أن قال عنه الناس أنه قاس متحجر القلب، وعرفت أنه الوقت المناسب لإصطياد قلبه المكسور..فلحقته على الفور وقبضت على يده برقة ومسحت بوشاحها الدمعات والعرق، فتنازلت الألسن طوعا للعيون لتقول كل شيء .. وقف مادو مستسلما لأمرها فأعادته لظل العرديبة وإفترشت وشاحها وتمددت عليها ودعته للجلوس!. ولكنه قد تحول إلى دمية بلهاء متجمدة ألجمته الدهشة وفاجأته الصدمة…أما الفتاة فقد نهضت وألقت علي وجهه الوشاح واختفت بين الحشائش بعد أن تيقنت أن الترياق قد أدى مفعوله.
رغم خبرته في إستيعاب الصدمات الفاجعة إلا أنه عجز هذه المرة من تحمل تصرفات هذه الأنثى الجريئة فهو لم يسبق له أن جرب الحب رغم الروايات والحكايات والأشعار التي طالعها عن الغزل والغرام، بجانب ثرثرات الرجال التي تتردد في أذنيه أحيانا إلا أنها لم تثر إهتمامه إبدا إستثناء ما حدث في هذا اليوم فقد سقط أسيرا في يد الحب.
جلس هاديا بعد أن استعاد عافيته من أثر تخدير الغرام، فأعاد تكرار فعل الفتاة حينما افترش الوشاح واستلقى عليه رافعا رجلا على رجل وامتطى الخيال وطار في فضاءات إفتراضية.
تذكر أمه في يومهم الثاني من تاريخ النزوح وقد تمددت تحت شجرة اللالوبة ودعته للجلوس كما فعلت دارو، فوضع رأسه بين يديها بعد إن استلقى ووضع رجلا على رجل، وبات ينصت لقولها بإهتمام وفجأة ينهض مصعوقا!..فقد طلبت منه الرحيل لكنه كيف؟؟كيف يرحل ويترك أمه وسط الفوضى والجوع والخوف تحوم وتلتقط فرائسها بلا رحمة ؟ وكيف سيستحمل أخبارها من بعيد وهو يستحضر الأحداث التي مرت عليهما وهما في طريقهما للمدينة؟ رفض طلب أمه بلا تردد لكنها عادت لتلح عليه وتراهن طلبها بالرضا عليه،فتراجع وقبل عرضها مشترطا أن يرحلا سويا بعيدا إلى حيث الأمان.
استيقظ من حلمه مفزوعا بسبب صراخات الإستغاثة التي سيطرت صداها على المكان ، فركض كالمجنون تجاه الكمبو ليجد النيران قد التهمت نصف (الرواكيب) الصغيرة ، ودون إن يشعر وجد نفسه مقتحما النيران لداخل غرفة فتاته دارو ..كافح النيران الهائجة حتى تمكن من إنقاذ كل مقتنياتها وخرج ليسقط مغشيا عليه بعد أن رأي فتاته دارو سالمة بين الحشود.
أعاد إليه الحريق زكريات مؤلمة مرت عليه قبل سنوات وهو في يومه السابع مع أمه في مدينة النزوح حينما عادت المليشيات مضججة بالسلاح على ظهر سيارات الدفع الرباعي يتقدمهم رجل تتطاير من عينيه جمرات الشر، وكانت أم مادو تعرفه جيدا وقد ترسخت صورته في مخيلتها وهو يصدر الأوامر بقتل ولديها بلا رحمة، هو ذاته يلحق بهم بعد أن تركوا له كل شيء حتى الأرض الذي كان يحلم بإغتصابها قد تنازلوا له ولو مؤقتا، لكنه يصر على شيء آخر يبدو أنه الموت.. أخذت أم مادو فأسا وخبأتها داخل ثوبها وانتظرت سيارة المشؤوم لتعبر بجانبها حينها ألقت الفأس بكل قوة تجاهه ولكنه انحرف وأصاب السائق، وكان الرد أشد قساوة على مادو الذي كان قد ذهب ليجلب الماء لحظة إغتيال إمه فعاد ليجدها جثة هامدة وسط الغرباء.
خرج مادو بلا هدى إلى اللا مكان ومضى سائرا برجليه ولم يتوقف منذ أن وضع جوالين الماء بجانب جثمان والدته، سار حتى نهار اليوم التالي،فسقط منهكا بجانب الطريق بعد تغلبت عليه آلام الجوع والعطش، ولم يمض على حاله ساعة حتى توقفت حاملة البضائع وأمر سائقها بعض الرجال أن يحملوه إلى ظهر اللوري بعد إسعافه بعصير الدقيق الذي كان معبأ في قنينة معلقة بجانب المقعد، فقد قابل هذا السائق مناظر شبيهة خلال تلك الأيام وقد حملت سيارته ضحايا كثر لخارج حدود الحرب.
عاد مادو لمنطقته الأصلية بعد سنوات قضاها متجولا بين المناطق دون أن يحقق شيئا مفيدا لنفسه أبدا فقد أسر قلبه الغبن وشلت أحاسيس الإنتقام تفكيره وبلدت إحساسه تأنيب الضمير حتى أنه نسي الحياة، حتى يومه الذي عثرته فيه دارو وأعادته للحياة بعد أن واجهته مع نفسه وجعلته ينظر بعيونها، فاختار أن يخرج من نفسه المقهورة لرحابة الدنيا الفسيح ، وعاد بعد أن شفيت جراحاته والجروح ليعمل بكد لكن هذه المرة ليلبي رغبات وطموح ما كانت تخطر على باله في السابق أبدا فللحياة طعم ورائحة ولون إذا وجد الإنسان ما يحى له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *