Flash Sale! to get a free eCookbook with our top 25 recipes.

مطالبها بدأت اقتصادية وانتهت سياسية تظاهرات السودان . .”قراءة متأنية ” في “دفاتر” الثورة .

الخرطوم : نجاة إدريس إسماعيل –

بدأ ديسمبر من عام 2018 ثقيلا يجرجر أذياله والضائقة المعيشية تخنق الجميع، فقيرهم وغنيهم ،صغيرهم وكبيرهم بلا استثناء إلا أولئك الذين ينتمون للحزب الحاكم ، وبدا الضيق على الجميع فأينما تلفت ذات اليمين وذات الشمال تجد الصفوف يأخذ بعضها بخناق بعض ، فكانت أزمات الخبز والوقود والسيولة ، والأخيرتان جعلتا الأغنياء مثلهم مثل الفقراء يلعقون حبال الصبر وهم ينظرون لأموالهم المكدسة في البنوك ولا يستطيعون سحبها، كل واحدة من تلك الأزمات كانت كفيلة بأن تطلق عنان الثورة من مكمنه ولكن الجميع كان يجر حبال الصبر طويلا وهو يقضي يومه بين صف الخبز فصف البنك ثم صف الوقود أو صف الوقوف في انتظار مركبة قد تأتي أو لا تأتي .

بداية الحكاية

بدأت الاحتجاجات في منتصف ديسمبر باحتجاجات صغيرة في الدمازين بعد أن ضاقت ذرعا بانعدام الخبز وغلائه معا ، في التاسع عشر من ديسمبر كانت صفوف الخبز تبدو حلزونية في مدينة “الحديد والنار ” وتتقاطع الصفوف مع صفوف أخرى للوقود والسيولة ..خرج طلاب المدرسة الصناعية بعطبرة فلم يجدوا خبزا .. المواطنون أجبرتهم الحاجة بأن يشتروا قطعة الخبز الواحدة بثلاثة جنيهات وسرعان ما نفدت قبيل أن ينفض جمع المصطفين ، خرج الطلاب منددين بانعدام الخبز، هتفوا ملء أفواههم هتافات منددة للحكومة ثم انطلقوا في ساحات عطبرة وأزقتها ،كبرت مجموعتهم بعد أن انضم إليهم ذووهم ، وانطلقوا جميعا كسيل العرم بعد أن سقطت بذرة الخوف من قلوبهم فأطلقوا لحناجرهم العنان ، المشهد في مدينة “الثغر” لم يكن مختلفا كثيرا في تفاصيله عما في مدينة “الحديد والنار ” فقطعة الخبز-على بؤسها وصغر حجمها – أضحت بثلاثة جنيهات أيضا وهي بثمنها ذاك بالطبع ليست في متناول اليد في مدينة أغلب سكانها يرزحون تحت خط الفقر فخرجوا لا يلوون على شيء ،خرجوا أفرادا وجماعات منددين بنار الغلاء التي أكلت الأخضر واليابس ولم تترك لهم إلا آمالا محطمة وبقية من أجساد .

كرة اللهب

في سرعة خاطفة أصابت الولايات “حمى” التظاهرات فما أن تنطفيء “نار الحريق” الذي أصاب الحكومة بالذهول إلا و”تشتعل” في ولاية أخرى ،وكأنها كرة من اللهب انطلقت من الدمازين فتدحرجت إلى عطبرة وبورتسودان في آن واحد ثم تدحرجت إلى القضارف ،فنيالا، فكوستي ثم جالت كثيرا تلك الكرة الملتهبة في ولايات دارفور الخمس، مما أصاب ولاة كل الولايات بالترقب والحذر كل يضع يده على قلبه خوفا من أن تدحرج كرة اللهب إليه .

رسائل للحكومة

رغم سلمية الثورة التي لم يختلف عليها اثنان فإن الثوار – خاصة في أيامهم الثلاثة الأولى- أرسلوا رسائل في بريد الحكومة حيث حرق بعضهم مقار حزب “المؤتمر الوطني ” في عدد من الولايات ،ولعل الذين فعلوا تلك الفعلة أرادوا أن يرسلوا رسائل بعينها ببغضهم للحزب الذي طالما رضع من ثدي الدولة .

الخرطوم ..التقاط القفاز

في الخامس والعشرين من ديسمبر التقطت الخرطوم القفاز بعد أن تدحرجت كرة اللهب بين الأرجل من مدينة لأخرى ،حيث أعلن “تجمع المهنيين السودانيين ” عن تظاهرة كبيرة تنطلق من منتصف الخرطوم لتسلم مذكرتها إلى القصر وفحوى المذكرة وجوب تنحي نظام الإنقاذ من رأس هرمه إلى قاعدته من السلطة وبهذه الخطوة كانت الخرطوم قد حولت مسار التظاهرات من احتجاجات عفوية صغيرة منددة بانعدام الخبر وغلائه إلى تظاهرات منتظمة بخطة محكمة وذات مطالب سياسية محددة .

ساعة الصفر

لم يكن يوم الخامس والعشرين من ديسمبر يوما عاديا مثل سائر الأيام ، ف”التاتشرات” كنت تقف أمام رأس كل شارع في وسط الخرطوم وهي تواجهك بفوهتها التي لم ترها إلا في برنامج “في ساحات الفداء ” وكأنها ستحول شوارع الخرطوم لساحات حرب بعد ساعات قليلة، رجال الأمن كانوا ينتشرون في كل الشوارع وربما غيروا اتجاه سير البعض – منذ ساعات الصباح الأولى – للذين يسيرون في اتجاه “السوق العربي ” وما حوله ، ولكن رغم كل تلك الأهبة والاستعداد الظاهر للعيان من كل القوات الشرطية والأمنية _خاصة في منطقة السوق العربي وما حولها – وقد طوقت تلك الطرق بقوات مكافحة الشغب منذ وقت باكر إضافة للقوات الأمنية والشرطية الأخرى – فقد انطلقت الثورة متحدية كل ذلك الوجود الشرطي المكثف وإذا بالشابات والشباب وحتى الرجال من كبار السن يطلقون حناجرهم بالهتاف الأثير “حرية ،سلام وعدالة .. والثورة خيار الشعب ” وانطلق الهتاف داويا يشق عنان السماء وسرعان ما انطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع وانطلقت الهراوات والعصي نحو الجميع لاتفرق بين رجل وامرأة وبدأت المجموعات تضيق وبدأ القنص يفتك بالراجلين المتدثرين بهتافاتهم السلمية ، فمن لم تصبه الرصاصة هجمت عليه القوات المعنية بالاعتقال ،ثم سرعان ما أسفرت تلك المعركة في عصر ذلك اليوم عن قتلى و جرحى ومعتقلين كثر ضاقت بهم جنبات السجن .

رأس سنة مغاير

قبل أن يكمل مسؤولو جهاز الأمن تحقيقاتهم مع معتقليهم الذين ضاقت بهم معتقلات النظام في معركة “25 ديسمبر ” إذا بهم يتفأجون بالإعلان عن تظاهرة أخرى متجهة إلى القصرفي يوم “31 ديسمبر”من ذلك العام – الذي خنق حكم الإنقاذ- أي بعد ستة أيام فقط من سابقاتها ، وبدا جليا أن غضب الحكومة انطلق سعاره فأخرجت قضها وقضيضها لإفشال تلك التظاهرة “المعلوم زمانها ومكانها “، كنت في شارع السيد عبدالرحمن المتقاطع مع القصر عندما انطلقت من وسط الخرطوم متجهة نحو القصر ،هالتني تلك الدبابات الكثيرة والتي تنطلق غربا إلى “أرض المعركة” وهي تواجه المواطنين السلميين بفوهاتها المصوبة أمامها وعلى جوانبها ومقدمتها أيضا جنود يحملون سلاحا على صدورهم ، كان موقفا يزعزع الثقة ويبعث الخوف في نفس كل متظاهر حديث عهد ب”التظاهرات الشوارعية ” ولكن رغم ذلك نجحت التظاهرة وكان العدد أكبر من سابقه .

زغرودة

في الساعة الواحدة بتاريخ الثورة انطلقت زغرودة من مكان ما قريب من شارع القصر وانطلقت الجموع مزمجرة يهتفون بصوت واحد قوي ، الفتيات والشباب كانوا جاهزين لكل شيء يحملون كماماتهم في جيوبهم ومياههم المختلطة بالخميرة ،وسرعان ما بدأ الكر والفر ، سحبتهم “التاتشرات”التي دخلت إلى أرض المعركة للخلف حتى حاذوا السكة حديد ثم انطلق الرصاص كالمطر ،الهتافات لا زالت تصم عنان السماء رغم اختناق الجو بالغاز المسيل للدموع ، الهراوات والعصي كانت تنطلق من كل فج عميق لتقبض الثوار الذين يوثقون بكاميرات هواتفهم الجوالة للحظة الحاسمة ،فكانت تستهدفهم الرصاصات التي لم يعرف مصدرها ، تستمر الهتافات ،ويستمر الكر والفر في الشوارع القريبة من شارع المستشفى وتنطلق التظاهرة جنوبا حتى بداية حي “الخرطوم 3” .ورغم أن السلطات الأمنية كانت قد منعت الحفلات والتجوال في تلك الليلة خلافا لما يحدث في كل عام إلا أن عين الحكومة كان قد أضناها السهر وهي تسمع “هدير الثورة “يصم أذنيها عن كل صوت آخر .

جدول ثابت

بعد تلك التظاهرة والتي أظهر فيها الثوار بسالتهم الفائقة أمام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والاعتقالات الفورية خرج جدول ثابت من “تجمع المهنيين السودانيين ” الذي أعلن تظاهرات ليلية بالأحياء أعقبها كر وفر وبسالة من الثوار والثائرات ، ثم كان “اليوم المشهود ” في التاسع من يناير حيث أعلن “تجمع المهنيين السودانيين ” عن موكب يتجه للبرلمان ليسلم مذكرة له وينطلق الموكب من أمدرمان لتكون “المدينة التاريخية “مسرحا لحراكه .. مناصرو الرئيس المخلوع من “أحزاب الحوار الوطني ” كانوا قد حددوا في ذات التوقيت الثوري موكبا مناصرا للرئيس جعلوا مقره ب”الساحة الخضراء”و حشد للموكب الطلاب والموظفون والمنتسبون للنظام ، حشود “أمدرمان ” تعرضت للضرب والسحل والاعتقال و الرصاص الحي إلذي أردى البعض قتيلا وجريحا ، بينما كان موكب الخرطوم حيث قال حاتم السر قولته المشهورة مقسما “لا صف بعد اليوم الا صف الصلاة! ” (يعرض ) لتحية البشير الذي كان يرد التحية بمثلها وهو يرقص على أنغام الموسيقى الحماسية العارمة بعد أن رأى الجموع التي تجشأت بعد أن أكلت رغيف خبزها بخلاف جموع موكب “أمدرمان” تلك والتي كانت تطارد الرصاص الحي و”البمبان ” والسياط ” بصدور مفتوحة .

مواكب ” الخلاص “

بعد أيام قليلة من موكب مدينة أمدرمان – والذي أظهر فيه الثوار بسالة عظيمة وتدثروا بمستشفيات أمدرمان والسلاح الطبي لتقيهم من صوب الرصاص النازل عليهم كالمطر إلا أن القناصين لم يعبأوا بالمرضى ولاحقوا الثوار في سوح المستشفيات مطلقين قنابل الغاز المسيل للدموع داخل العنابر في تحد سافر لكل حقوق الإنسان ..مواجهات عنيفة كانت بين الثوار والقوات التي تطاردهم بين الأزقة والحارات تضامنت فيها الأسر تضامنا كبيرا مع الثوار الذين احتضنتهم وحمتهم – ثم كان موكب بحري والذي جاء ليكمل مثلث ضلع العاصمة المثلثة الثالث بعد مواكب الخرطوم وأمدرمان، وبمثلما كان في مواكب “الخرطوم ” و”أمدرمان ” تفاجأ سكان بحري صبيحة اليوم المعلن عنه في موكب “بحري ” بما يربو عن الثلاثين “تاتشر ” ترتكز في المحطة الوسطى وما حولها وعلى رؤوس تلك المدرعات الحربية جنود يتدرعون السلاح ك “السبح “..بكاسي لا تحمل لوحات يمتطيها وعلى ظهورها رجال يخفون وجوههم باقنعة سوداء كانوا في الموعد يحملون عصيهم وهراواتهم ويندفعون نحو المحتجين ثم يقتنصونهم ويضعونهم في مؤخرة تلك البكاسي ثم يستمرون في إلهاب رؤوسهم وصدورهم بالسياط .. الغازات المسيلة للدموع كانت تطلق في الهواء الطلق بكثافة لافتة ، كر وفر وملاحقات وقنص بدا في المحطة الوسطي وشارع السوق وشارع شمبات من الجهة الغربية ،ثم سرعان ماتمددت التظاهرات في أحياء المزاد والشعبية وشمبات ،وكانت ما أن تخمد الأدخنة والنيران في منطقة إلا وتنطلق في منطقة أخرى هكذا حتى منتصف الليل.

أحياء ثورية

أحياء خرطومية بعينها حملت لواء الثورة وكان الثوار يحجون إليها كل يوم أحد وثلاثاء وخميس من هذه الأحياء “شمبات” كممثل رئيس لمدينة الخرطوم بحري و”بري” كممثل رئيس لمدينة الخرطوم و”العباسية” كممثل رئيس لمدينة أمدرمان.
قوى الحرية والتغيير
أعلنت قوى الحرية والتغيير عن نفسها بصفة رسمية تجعلها قائدة للتظاهرات في منتصف يناير من العام 2019 وتكونت قوى الحرية والتغيير من مكونات سياسية أبرز مكوناتها قوى الإجماع الوطني ونداء السودان والجبهة الثورية بالإضافة لتجمع المهنيين السودانيين والتجمع الاتحادي المعارض بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني وقامت كل هذه القوى بصياغة ميثاق “قوى الحرية والتغيير ” الداعي لإقالة عمر البشير من السلطة وكان لهذه القوى دورها في التنسيق للتظاهرات .

أهازيج “الثورة “

مقطوعات كثيرة انطلقت من حناجر المتظاهرين لم يهتموا بناظميها –ربما لحمايتهم من الاعتقال – بقدر ما اهتموا بحفظها وترديدها ونشرها في الوسائط الاجتماعية خاصة تطبيقى “الفيسبوك ” و”الواتساب ” ولعل منها قصيدة
” الطلقة ما بتقتل .. بقتل سكات الزول”
كذلك أهزوجة ” يا العسكري المغرور ..كل البلد دارفور ” والتي أنشدت بعد أن اتهمت السلطات بعض أبناء أقليم “دارفور” وهاجمت منزلهم بضاحية “الدروشاب ” وسجلت لهم اعترافات “كاذبة ” تفيد بأنهم كانوا وراء التظاهرات . و ” الحكومة الراكبة تاتشرات ..الحكومة الشايلة كلاشات..الحكومة بتضرب الرصاص ..الحكومة بتوزنك في الراس ، ” .

هاشتاقات “الثورة “

هاشتاقات كثيرة ظهرت مع بروز الاحتجاجات السلمية ولعل أبرزها هاشتاق “مدن السودان تنتفض#” و”تسقط بس#” والذي برز من مناصري الثورة والمنافحين عنها ،فيما رد على هذين الهاشتاقين بآخرين مضادين لهما من مناصري الحكومة فبدلا عن “مدن السودان تنتفض#” ظهر “مدن السودان أمان #”وبدلا عن “تسقط بس#” ظهر “تقعد بس#” وما بين هؤلاء وأولئك ضجت الوسائط بالمدافعين والمعارضين الذين امتدت بينهما الحروب الإسفيرية .

ملامح إنسانية

استطاع المتظاهرون الشباب في إحدى تظاهراتهم بمدينة أمدرمان السيطرة على المكان رغم أنهم لم يكونوا يملكوا من أدوات السلاح إلا هتافاتهم ، لذلك عمدوا على وضع أحجار كبيرة في الطرق حتى لا تصل إليهم تاتشرات النظام بسرعة وتطلق البمبان والرصاص الحي عليهم – وقد استخدم هذا الفعل في أكثر من حي – وكان أن انقلبت التاتشر وما كان من المتظاهرين إلا أن انقذوا الجنود كما عمدوا إلى إخراج العربة المدججة بالسلاح المنقلبة ،وفي أحد الأحياء تم إنقاذ الجنود الذين انقلبت بهم “التاتشر ” وفي حي آخر عندما استبد بالجنود العطش تمت سقايتهم.