Flash Sale! to get a free eCookbook with our top 25 recipes.

ذكورية القمع.. وأنثوية الثورة (كنداكات) ديسمبر.. يعدنّ كتابة تأريخ المرأة السودانية

الخرطوم: صحيفة الجريدة : ماجد القوني-

(زغاريدهنّ) أمام بوابات القيادة العامة أعلنت سقوط النظام قبل قيادة الجيش..

(قروب منبر شات) ظل مستعصياً على الكشف حتى مساء الثامن عشر من أبريل..

الأمن الانقاذي انتبه مؤخراً لخطورة دور المرأة في ثورة ديسمبر، وسعى لاعتقال الفتيات قبل انطلاق (الزغرودة) بنصف ساعة.

تعرضت المرأة لأقسى صنوف الارهاب والعنف الجسدي واللفظي من النظام السابق، لتتساوى مع الرجل في القمع..

( المرأة كاهنة القضاء والقدر..) “بيكنسفيلد”
التأريخ رجل على المستوى السياقي لتقسيمات اللغة بين دفتي الذكورة والأنوثة، حيث درج الرجل على تخليد ذكرى احداث تخصه، مع هامش ضئيل للمرأة التي تقف وراء العظماء منهم، وعلى ذات النسق اللُغوي تبقى الثورة أنثى تتحدى القمع، وإن بدأ نابعاً من السلطة السياسية أو المجتمعية إلا أنه يبقى ذكورياً من حيث انتماءه اللُغوي ولو من جانب المنفذين له.. التذكير والتأنيث وإن بدأ علامات حددتها اللغة ومختبرات الفيسيولوجيا، إلا أن للواقع محدداته وفق تباين بيئي وجغرافي تحكمه ثقافات وعادات وتقاليد، تجعل من النضال أمراً محتوماً لكل كان بالقرب من الأزمة السودانية.

سيادة المرأة

ثورة ديسمبر السودانية أكدت أن المرأة السودانية مازالت تواصل كتابة تأريخها في سِفر النضال الانساني السوداني.. والمتتبع لسيرورة التأريخ يجدها قد شكلت حضوراً لافتاً، مغايراً لنظيرتها العربية والأفريقية، متجاوزاً من حيث كثافته ووعيه لواقع المرأة التي ثارت في مواجهة الحكم الاستعماري والحكومات الدكتاتورية السابقة للإنقاذ.. المرأة السودانية التي بسطت سيادتها على المجتمع الذكوري منذ عصر (الكنداكات) وحتى قرى الريف السوداني وإن لم يتم الاعتراف بسلطتها، مجتمع أمومي وإن لم يُجهر له بالسيادة إلا أن الواقع يذهب إلى أن المرأة تلعب دوراً اقتصاديا كبيراً في ولايات السودان المختلفة، من خلال عملها في الحقول والمصانع وحتى أعمال البناء.

زغرودة الثورة

لثورة ديسمبر خصوصيتها التي تنبع من الحضور اللافت للمرأة، بالرغم من سيادة كثير من المفاهيم والمقولات التي ساهمت في تنميط المرأة وقولبتها دينياً، اجتماعياً وسياسياً، تصورات مازالت تكبل المرأة التواقة للحرية، والتي تعرضت لأقسى صنوف الارهاب والعنف الجسدي واللفظي من الآلة القمعية للنظام العسكري، متساوية مع رفيقها الرجل في القمع.. وجود المرأة لم يكن مسانداً للرجل بل كان متقدماً عليه، (الزغرودة) لم تكن محض اشعار بأن وقت الثورة قد حان.. لتنطلق أيها الرجل، لكنها تقدمت المسيرات والمواكب تعرضت للاعتقال والضرب، وتم استهدافهن بصورة مباشرة من قِبل الأجهزة الأمنية، لكن استطعن قهر كل مخاوفهن وتتويجه بموكب السادس من أبريل حيث تجاوزت اعدادهن الرجال.. ملحمة السادس من أبريل كن وقودها.. مئات الفتيات في أول موكب قبالة بيت الضيافة، (زغاريدهن) أمام بوابات القيادة العامة أعلنت سقوط النظام قبل أن تعلنه قيادة الجيش..

التأريخ السوداني لا يخلو من علائقية على مستوى وجود المرأة في حياة الرجل السوداني، واستحكام حلقة الشجاعة والاقدام التي تضع معاييرها المرأة، ولا فكاك من الانصياع لها، أغنيات حماسية خلدت مفردات قُصد بها ثبات الرجل في محكات المواجهة، معايير وإن وضعت المرأة في مرتبة ثانية، إلا أن ثورة ديسمبر وإن عبرت محيط التوقعات إلا أنها استدعت جذور واقع اجتماعي تُديره المرأة وتحدد من خلاله معاير الشجاعة والإقدام، وليس هناك أقسى على الرجل السوداني من هتاف امرأة تطلب منه الثبات في الوقت الذي تتقدمه، وللحصول على (زغرودة) يتسابق الشباب لالتقاط علبة (البمبان) والوقوف أمام الرصاص.. (الزغرودة).. لم تكن محض إشعار بأن وقت الثورة قد حان لتنطلق أيها الرجل، اطلاق لقب (الكنداكات) على الثائرات لم يأتِ من خارج أُطر الوعي بالتأريخ السوداني، وليس مجرد مقاربة شكلانية للموائمة مع السياق الثوري، فمن خلال حضورهن وصمودهن استطعن استعادة سطوة المرأة السودانية، التي تبدت خلال فترة موغلة في القِدم من تأريخ السودان حيث كانت (الكنداكات) في مملكة كوش، هن الملكات المحاربات وقاهرات الأعداء، ولعل أجهزة الأمن الانقاذي وعت مؤخراً لخطورة الدور الذي تلعبه المرأة في ثورة ديسمبر، لذا لم يكن مستغرباً أن تُجهز تجريدات لاعتقال الفتيات قبل انطلاق (الزغرودة) بنصف ساعة.

الكنداكات

كثيراً من قضايا الجندر أُثيرت خلال الفترة الماضية، أشهر الثورة السودانية كانت مناسبة جيدة لتقييم وتطبيق نظريات الجندر على مستوى الواقع، والتي حُسم بعضها فعلياً على مستوى ميادين الثورة، من يتقدم..؟ ومن يبقى بالخلف..؟ لم يكن هنالك متسع للتفاكر حول كونها أنثى أو رجل، الوقت للثورة، يكفي أنها تقوم بكل ما يقوم به الرجل ويتقوّم به الفعل الثوري، تهتف في وجه الظلم وتُعتقل وتُضرب كرجل أُسر في معركة ما، تتلقف (البمبان) وتعيده لأصحابه مع خالص الكراهية، تعدو بكامل قوتها للهروب من (التاتشر) ليس جبناً بل لأن وجودها في الخارج أكثر فائدة لما تبقى من ثورة، يُقص شعرها العزيز على نفسها وتخرج، تُكسر يدها وتعتقل وتصرُ على المضي.. تخاطب من يقفون على الرصيف أثناء لحظات الصمت المُطبق، تتحدى الأسود في وقفتها أمام أجهزة القمع المدججة بالأسلحة والعصي والهراوات.. وقتها صمت المنادون برجوعها لـ(الحرملك) وأُخرست القناعات التي تقول أنها.. (إن بقت فاس ما بتكسر الراس..) كل واحدة منهن وكأنها الكنداكة (شاناداختو) وهي ترتدي الدروع، وتحمل الرمح في اثناء المعركة..

(قروب منبرشات)

اعلان تجمع المهنيين بتشكيل لجان للمقاومة، وجد صدىً من شباب/ت، وضعوا وقتها هم الثورة على عاتقهم، لكن اللافت كان وجود كثافة للفتيات داخل اللجان، ولم يكن من المستغرب أن تجدهن يطفن على المنازل لتعبئتها بمواقيت الثورة، أو شحن الشوارع بالهتاف، وتنظيم الثوار وتوزيع الأدوار، والكتابة على الجدران بالقادم من مواكب، لجان المقاومة٦٠٪ منها من الفتيات، ومثلها من المعتقلات.. والثائرات في الشوارع.. قروب (منبرشات) على الفيسبوك كان الأكثر حضوراً في جادة الثورة السودانية، قدرات عالية في الرصد وتوفير المعلومة تم توجيهها لصالح الثورة السودانية في سياق (الحصة وطن) بتنسيق عال مع المصورين، مما جعل التساؤل حول وجودها وعضويتها أحد الأسئلة التي درج أفراد جهاز الأمن طرحه على المعتقلات بغية الوصول لإدارته.. مع ذلك ظل (القروب) مستعصياً على الكشف حتى مساء الثامن عشر من أبريل، حيث عبر ساحة الاعتصام موكب مكتمل الأنثوة يحمل لافتة تشير إلى هويته بكونه (قروب منبرشات).