Flash Sale! to get a free eCookbook with our top 25 recipes.

مسارب الضي-محمد احمد خضر تبيدي

ارواح وأشباح (٢)

عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أتسلل خفية مع أقراني من الصبية إلى حفلات (الزار) التي تقيمها نساء حارتنا بمدينة امدرمان القديمه ونزور بيان التجاني اب احمد وناخذ العملات المعدنية التي نجدها علي البيان (الزواره) وعندما عرفت منزل المبارك شيخ الظهر تبادر بزهني الاستاذ محمد وردي وهو يشدو (ياالمبارك شيخ الظهر شوفني جنيت ولا دسترة) وماعلاقة وردي بهذا المكان وكنا نجد ان معظم النساء يجتمعن حول (كودية الزار) التي كانت تقود فريقاً من بناتها، وكن جميعاً ينقرن الدلوكة والطبول وفي البداية يطلقن البخور ويبدأ إيقاع الدلوكة بطيئاً رتيباً لتقف المريضة تتمايل على دقات الدلوكة (لمن خيتا يجي) ومع ارتفاع الدقات يزداد عدد النساء اللائي يقفن في وسط الحلقة ليعلو صوت (الكودية) بأغنيات معينة ليزداد التمايل ويعلو صراخ النسوة إلى أن تقع إحداهن مغشياً عليها فتقوم (الكودية) بتبخيرها (وفتح العلبه) ومن ثم إدارة حوار معها لمعرفة من نزل فيها ومن ثم مخاطبته لمعرفة طلباته.

هذا السيناريو لايزال عالقاً بذهني، وفجر في داخلي الكثير من التساؤلات والرغبة في اكتشاف تلك العوالم الخفية المدهشة، فأنفقت سنيناً من عمري في البحث الميداني ومعاينة بعض الحالات لأجد تفسيراً منطقيًا لظاهرة سيطرت على المجتمع بشكل كبير، وما توصلت إليه وكنت اتخيل ان (الزار) تدين يشبه الصوفيه عند الرجال (الدروشه) وبحسب روايات الشيوخ والاطباء النفسين الذين قابلتهم أو بعض الحالات التي مرت عليّ وصادفتني في مشواري الاستقصائي أن (الزار) أو الريح الأحمر ما هو إلا مس شيطاني، وهذه الحقيقة التي يرفضها الكثير من المثقفين أو العاملين في الطب النفسي.

فهنالك شعرة ما بين الريح الأحمر والمرض النفسي بحسب روايات الشيوخ الذين أكدوا لي أن مجرد دخول الروح الخبيثة الى جسم الإنسان تظهر له مشاكل على المستوى العضوي والنفسي وأن علاج الريح الأحمر يعد أصعب من علاج السحر والعين لأن جان الريح الأحمر عاشق للجسد ومن الصعوبة بامكانه أن يخرج منه، فله قدرة فائقة على احتمال العذاب، لذلك دائماً ما يكون خيارهم الوحيد هو الحرق بتلاوة سورة البقرة على المريض وسورة الصافات والدخان والجن مع الآيات التي تتضمن العذاب.
وعلاج الريح يحتاج إلى صبر وجهد لأنهم في الأساس جماعة تتنزل على المريض وتسيطر عليه وتتحكم في تصرفاته وسلوكه.

والريح الأحمر ينقسم إلى 99 قبيلة كل واحدة من هذه القبائل تفرض سلوكها على المريض وتتطبع بطباع الشخصية تحزن لحزنها وتفرح لفرحها وتنتقم لها في بعض الأحيان فمريض الزار أشبه بالطفل الصغير تسترضيه بأبسط الأشياء وتبكيه لأتفهها شخصيته حساسة للغاية، وقد يفسر الكلام في غير موضعه.

لنعُد إلى قبائل الزار وأشهرهم الأحباش الذين برزوا بمسميات عديدة وللأحباش طقسهم الذي يميزهم ومن أشهر شخصياتهم (ملليك) وهو سلطان الحبش، وعندما يتنزل على المريضة تشعر أنها ذات مهابة وتقوم بدورها بفرض شخصيتها على الآخرين والمرأة التي يتلبسها (ملليك) تكون نهمة في جمع المجوهرات الثمينة وطلباتها دائماً تنحصر في الذهب ومن الخيوط التي تجر لكي ما ينزل (مليلك) .
ويلي (مليلك) رفعة في عالم الزار وفي قبيلة الأحباش على وجه الخصوص (بشير لومي) والمرأة التي يتلبسها ترتدي دائماً الطربوش الأحمر، وكذلك الجلابية الحمراء، (ولبشير لومي) يوم من أيام الأسبوع يحضر فيه وتعد في ذلك اليوم صفرة مكونة من عدة أصناف منها الحمام المشوي والجبنة المضفرة والزيتون والساردين والبيض المسلوق بجانب الفاكهة والبيبسي والقهوة، ويكون ذلك إما يوم الأربعاء أو الأحد والخيط المحبب (لبشير لومي) والذي يجعله يذوب من الطرب.

(وا لومي أنا وا لومي
وا لومي يا بشير لومي
بشير غدار يا بشير لومي
دا الشرابو سجار يا بشير لومي)

(ولبشير) هذا أربع بنات كل لها عالمها وتفاصيلها أشهرهن (اللولية) أو (لولة) أو (لولي) كلها مسميات لشخصية واحدة (ولولة) في عالم الريح لها مكانة خاصة ووضعيتها الاعتبارية فبحسب روايات شيخات (الزار) أنها (ما ساهلة وبتجيب حقها) بمعنى أن المرأة التي تتلبسها هذه (اللولية) أمورها دائماً (سالكة) لأن اللولية (بتحب الجيه).

قلت إن (اللولية) عالم قائم بذاته فهي انتقائية لا تتلبس إلا المرأة التي تتمتع بقدر عال من الجمال حتى تتطبع بصفاتها والمرأة التي تنزل فيها (اللولية) لها قدرة فائقة على لفت انتباه الآخرين وجذب عيون الرجال وتجدها تتميز عن سائر النساء في طريقة لبسها واهتمامها بنفسها، فهي تميل إلى اللون الأحمر، وكل ما هو صارخ في اللبس وأحياناً غير محتشم كما تميل إلى لبس الزمام والحجل والخلخال والاكسسوارات الشعبية المنصوعة من السوميت والودع وأنصاف الجنيهات، كما تحتفظ بالرحط والقرمصيص والمرأة ذات (اللولية) محبة للحياة تميل إلى الطرب والبهجة وأكل اللبان الجاولي والحمام والجبنة والشية إضافة للروائح السودانية المعروفة خاصة الصندلية والخيت المحبب لها
(اللول اللول يا لولية بسحروك يالولي الحبشية
اللولية انتي ما صعبا أنا أحب كسلا وأديس أبابا)
ومجرد إطلاق هذه الكلمات مع بعض البخور وبمصاحبة الدلوكة تحضر الست (لولة) على الفور.

البخور المحبب

أما شقيقات (اللولية) من بنات (بشير كوفتي وماري وقميرية) وهن قريبات من طقس (اللولية) مع اختلاف طفيف في بعض السلوكيات. هذه تفاصيل عن قبيلة الأحباش في عالم الريح الأحمر ويبقى البخور المحبب لهم خليط من الجاولي والعدني والعودية والمر الحجازي يخلط بقليل من بت السودان والمحلبية ليعطي رائحة نافذة تجيب (اللبشة) ومن الشخصيات الشهيرة أيضاً في قبيلة الأحباش (ولد نورة ويوسي).

مع الأشراف
وهنالك من يمارس (الزار) بخلفية دينية، فنجد الطقس مطابقاً لشكل البدايات في حلقات الذكر عند الصوفية، وتندرج شخصيات (الزار) تحت مجموعة من الأنماط والأشكال منهم الأحباش وهنالك (الدراويش) أو الأشراف ويقصد بهم الأولياء الصالحون مثل الشيخ البدوي وعبد القادر الجيلاني، وفي هذا الشكل من أشكال (الزار) فإن أزياء الشخصيات التي يجب أن ترتديها المريضة وتؤدي الطقس تتميز باللون الأبيض الناصع كما نجد أن الإيقاع والإنشاد فيه قدر من الهدوء وشكل الغناء الذي يتم أقرب الى مضمون المديح والمناجة والتوسل بالصالحين.

(يا مرحبا بالخواجة)

ومن القبائل المعروفة في عالم الريح الأحمر (الخواجات) ومن أبرز شخصياتهم (اينجل وأملاي) وموعد حضورهم دائماً يكون يوم الإثنين ومن المفارقات الغريبة أن المرأة التي يتلبسها (الخواجة) تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة وكأنها أحد أحفاد وليم شكسبير وإن كانت أمية وهذه الحالات شاهدتها كثيراً أشهرها تلك المرأة المسنة التي خاطبت بعض أساتذة الجامعات بلغة إنجليزية سليمة، وهي لم تفك الخط، وعن استفساري عن هذا الأمر ذكر احد الشيخ أن كل جن يتحدث بلهجته ولغته والأزياء المحببة للمرأة التي يتلبسها (الخواجة) هو اللون الأسود ولبس البرنيطة وحمل الكدوس والمرأة التي يتنزل فيها (الخواجة) تكون في الغالب مغرورة وتعاف كل شيء من طعام وشراب وتكون قليلة الكلام تحدق ببصرها في نظرات افتراء ومن الوجبات المحببة لهم القمح المسلوق ومخلوط بقليل من السكر إضافة إلى القهوة المرة ومن أميز خيوطهم( يا مرحبا بالخواجة).

من الشخصيات الطريفة والغريبه في عالم الريح الأحمر (حلاوة البيه) والمرأة التي يتلبسها تحب الأطفال وتتودد إليهم وتداعبهم وتلاعبهم وحقيبتها لا تخلو من الحلوى، وهنالك شخصية أخرى تعرف (بالتربي) ويصيب المرأة بالموات والمرض السريري ولا تتعافى إلا في حال حفر قبر لها لذا أطلق عليه اسم (التربي) أما (نمر الكندو) من أشرس شخصيات (الزار) لا يعرف له يوم محدد والمرأة التي يتلبسها تأخذ صفات النمر تماماً في شراسة الطباع والنوم نهاراً والسهر ليلاً تجدها خاملة لا تميل إلى قضاء واجباتها المنزلية وحينما يأتي الليل تظل يقظة بلا منام، شرسة وقد تعتدي بالعض على كل من يقترب منها.

(شاكر حلال المشاكل)

ومن القبائل المعروفة في عالم الريح ما يعرف (بالزرق) وهم الأشرس في هذه العوالم الخفية المدهشة أشهرهم (ود بندا) آكل اللحوم النية، (ود بندا) هذا وبحسب الرويات التي استقيتها من حالات قابلتها أو شيخات (الزار) اللائي جلست إليهن (ببشتن المرأة) وهو من سفهاء الريح الأحمر يجبر المرأة على سف الصعود وشرب الخمر في بعض الأحيان ولبس جبة الحمير.

لا أمان له

وهنالك شخصية أخرى من (الزرق) تعرف (بشاكر حلال المشاكل) وهو أشرس جني في عالم الريح الأحمر (يعادي البوابي) وهو بلغة الريح تعني زوج المرأة المتلبسة والتي تعرف بالمريضة، (وشاكر) هذا يومه الذي يحضر فيه هو السبت وأحياناً يحضر منذ الخميس فتشعر المرأة بثقل في جسمها وعدم قدرة على أداء الواجبات المنزلية، وتكون في لحظة هياج دائم وزهج وسخط ويأس من الحياة وإذا ما تحدث معها أي شخص قد تعتدي عليه بالضرب خاصة الزوج، وقد يتحول حبها له الى كراهية وتطلب الطلاق في بعض الأحيان، (وشاكر) هذا لا أمان له مهما استرضيته يمكن أن يعود ويحول الحياة إلى جحيم، بخوره المحبب هو السعدة ويحبذ المشويات من الطعام واللحوم النية مثل أم فتفت والمرارة.
هذه إضاءة عن أهم الشخصيات في عالم الريح والذي يسبق الجميع في تلبسه للمرأة يكون هو الأقوى والمسيطر وبحسب الروايات أن هنالك (زارا) حراً يعمل على جهجهة المرأة وآخر يبشتنها ويعرف ذلك من خلال طقس يعرف (بفتح العلبة) وهو طقس غريب ومدهش سأحدثكم عنه في الحلقة القادمة فقط أبقى معي.

محمد تبيدي